مجموعة مؤلفين
153
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
« إن في أيدي الناس حقا وباطلا ، وصدقا وكذبا ، وناسخا ومنسوخا ، وعاما وخاصا ، ومحكما ومتشابها ، وحفظا ووهما . ولقد كذب علي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم على عهده حتى قام خطيبا : « من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » . وانما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس رجل منافق مظهر للايمان ، متصنع بالاسلام لا يتأثم ولا يتحرج ، يكذب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم متعمدا ، فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوه منه ولم يصدقوا قوله ولكنهم قالوا صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله رأى وسمع منه ولقف عنه فيأخذون بقوله وقد أخبرك اللّه عن المنافقين بما أخبرك ، ووصفهم بما وصفهم به لك . ثم بقوا بعده عليه وآله السلام فتقربوا إلى أئمه الضلال والدعاة إلى النار بالزور والبهتان فولوهم الاعمال وجعلوهم حكاما على رقاب الناس ، وأكلوا بهم الدنيا . وانما الناس مع الملوك والدنيا الامن عصم اللّه فهو من أحد الأربعة . - ورجل سمع من رسول اللّه شيئا لم يحفظه على وجهه فوهم فيه ولم يتعمد كذبا فهو في يديه ويرويه ويعمل به ويقول أنا سمعت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فلو علم المسلمون انه وهم فيه لم يقبلوه ، ولو علم هو انه كذلك لرفضه . - ورجل ثالث سمع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله شيئا يأمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به ، وهو لا يعلم فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ فلو علم أنه منسوخ لرفضه ، ولو علم المسلمون إذ سمعوا منه انه منسوخ لرفضوه . - وآخر رابع ، لم يكذب على اللّه ولا على رسوله مبغض للكذب خوفا من اللّه وتعظيما لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ولم يهم ، بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به على ما سمعه لم يزد فيه ولم ينقص منه فحفظ الناسخ فعمل به وحفظ المنسوخ فجنب عنه وعرف الخاص والعام فوضع كل شيء موضعه ، وعرف المتشابه ومحكمه . وقد كان يكون من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله الكلام له وجهان ، فكلام خاص وكلام عام فيسمعه من لا يعرف ما عنى اللّه به ، ولا ما عنى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من اجله . وليس كل أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من كان يسأله ويستفهمه حتى أن كانوا يحبون أن يحيء الاعرابي والطارئ فيسأله عليه السّلام حتى يسمعوا . وكان لا يمر بي من ذلك شيء الا سألت عنه وحفظته . فهذه وجود ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم في رواياتهم » .